تشهد الجزائر مرحلة مفصلية في مسار تعزيز منظومتها الوطنية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، في إطار الجهود الرامية إلى الخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (غافي). وفي هذا السياق، أعلنت الفدرالية الوطنية للوكالات العقارية عن تجنيد نحو 1900 وكالة عقارية معتمدة عبر مختلف ولايات الوطن للمساهمة في رصد المعاملات المشبوهة والأموال مجهولة المصدر داخل السوق العقارية، باعتبار هذا القطاع من أكثر المجالات عرضة لمحاولات إضفاء الشرعية على الأموال غير المشروعة.
وفي المقابل، أبدت الفدرالية انشغالها من توسع نشاط السوق الموازية، مؤكدة أن النسبة الأكبر من المعاملات العقارية تتم خارج الأطر القانونية والمهنية المنظمة، وهو ما يطرح تحديات إضافية أمام جهود الرقابة والشفافية.
الوكالات العقارية شريك في مكافحة تبييض الأموال
أكد رئيس الفدرالية الوطنية للوكالات العقارية، نور الدين مناصري، أن الوكالات العقارية المعتمدة أصبحت طرفا أساسيا في دعم المساعي الوطنية الرامية إلى مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، من خلال الإبلاغ عن العمليات التي تثير الشبهات أو تتضمن أموالا مجهولة المصدر.
وأوضح أن الوكيل العقاري، بحكم دوره في مرافقة عمليات البيع والشراء ومتابعة مراحل التفاوض بين الأطراف المختلفة، يمتلك القدرة على اكتشاف مؤشرات أولية قد تدل على وجود تجاوزات أو ممارسات غير قانونية، قبل استكمال الإجراءات الرسمية لدى الموثقين.
وأضاف أن التشريعات المعمول بها تلزم الوكيل العقاري بإخطار الجهات المختصة عند الاشتباه في أي معاملة، خاصة تلك التي تتم نقدا بمبالغ مالية كبيرة دون مبررات واضحة، أو عندما يعجز الزبون عن تقديم معلومات دقيقة حول مصدر الأموال المستعملة، فضلا عن الحالات التي يظهر فيها فرق كبير بين القيمة الحقيقية للعقار والقيمة المصرح بها، أو عند تسجيل عمليات بيع وشراء متكررة خلال فترات زمنية قصيرة بشكل غير مبرر.
دعم جهود الخروج من القائمة الرمادية
وأشار المتحدث إلى أن مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب أصبحت من الملفات الاستراتيجية بالنسبة للجزائر، خاصة في ظل المساعي المبذولة لاستكمال متطلبات مجموعة العمل المالي الدولية “غافي” وتعزيز مستويات الشفافية والرقابة المالية.
وأكد أن الفدرالية تضع خبرتها وإمكاناتها المهنية تحت تصرف السلطات العمومية للمساهمة في تحقيق هذا الهدف، معتبرا أن إشراك الوكلاء العقاريين في منظومة الرقابة يمثل خطوة مهمة نحو سد الثغرات التي قد تستغلها الشبكات الإجرامية لإضفاء الشرعية على الأموال غير المشروعة.
دعوات لتكوين أعمق للمهنيين
وفي سياق متصل، دعا رئيس الفدرالية إلى تكثيف الدورات التكوينية لفائدة الوكلاء العقاريين، حتى يتمكنوا من مواكبة التطورات القانونية والتقنية المتعلقة بآليات كشف العمليات المشبوهة.
وأوضح أن المبادرات التي أطلقتها السلطات الوصية وقطاع السكن في هذا المجال تعد إيجابية، غير أن حجم التحديات المطروحة يستدعي توسيع برامج التكوين وتسريع وتيرتها، بما يسمح للمهنيين بالقيام بأدوارهم الرقابية وفق المعايير المطلوبة.
السوق الموازية تستحوذ على أغلب المعاملات
من جهة أخرى، حذرت الفدرالية الوطنية للوكالات العقارية من استمرار هيمنة السوق الموازية على النشاط العقاري في الجزائر، حيث تتم ما بين 80 و90 بالمائة من المعاملات خارج القنوات المهنية والقانونية المعتمدة.
وأوضح مناصري أن العديد من عمليات الوساطة العقارية تنجز عبر مكاتب غير معتمدة أو وسطاء غير مؤهلين، إضافة إلى الانتشار المتزايد للإعلانات العقارية عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما يخلق منافسة غير متكافئة مع الوكالات القانونية ويحد من فعالية الرقابة على السوق.
وشدد على أن ممارسة الوساطة العقارية تخضع لاعتماد رسمي وترخيص قانوني، وأن تنظيم المهنة يهدف أساسا إلى حماية حقوق المتعاملين وضمان شفافية المعاملات والحد من ظاهرة السمسرة العشوائية.
ترقب لانخفاض الأسعار مع انطلاق توزيع «عدل 3»
وبخصوص آفاق السوق العقارية، توقع رئيس الفدرالية أن تعرف الأسعار تراجعا خلال الأشهر المقبلة في حال الشروع الفعلي في توزيع سكنات برنامج «عدل 3» وصيغ البيع بالإيجار قبل نهاية السنة الجارية.
ويرى المتحدث أن أي عملية توزيع واسعة للسكنات ستؤثر بشكل مباشر على حجم الطلب داخل السوق الحرة، ما قد ينعكس على مستويات الأسعار خلال الفترة المقبلة.
ورغم صعوبة تحديد نسبة الانخفاض المرتقبة حاليا، أكد أن السوق العقارية تشهد منذ عدة أشهر حالة من الترقب والجمود النسبي، تزامنا مع تراجع ملحوظ في عدد الصفقات، وهو ما تؤكده المعطيات المسجلة لدى العديد من الموثقين والوكلاء العقاريين عبر مختلف ولايات الوطن.
نحو سوق عقارية أكثر شفافية
وتأتي هذه التحركات في وقت تواصل فيه الجزائر تنفيذ إصلاحات واسعة لتعزيز الشفافية والرقمنة في مختلف القطاعات، تنفيذا لتوجيهات السلطات العليا للبلاد الرامية إلى تحسين الحوكمة المالية ومكافحة مختلف أشكال الاقتصاد الموازي.
ويعوّل على انخراط الفاعلين المهنيين، وفي مقدمتهم الوكالات العقارية المعتمدة، للمساهمة في بناء سوق عقارية أكثر تنظيما وشفافية، بما يعزز الثقة في المعاملات ويحمي الاقتصاد الوطني من مخاطر تبييض الأموال وتمويل النشاطات غير المشروعة.
