باشرت وزارة الداخلية والجماعات المحلية حملة واسعة لمعالجة كل الملفات العالقة المتعلقة بمخالفات التعمير عبر مختلف ولايات الوطن، في خطوة تهدف إلى كبح التوسع العشوائي للبنايات الفوضوية وتعزيز احترام قواعد التهيئة والتعمير. وقد شددت الوزارة، في تعليمة موجّهة للولاة والولاة المنتدبين ورؤساء الدوائر والبلديات، على ضرورة التطبيق الحرفي والصارم لكل القرارات المتخذة، مع هدم كل بناء غير شرعي دون استثناء، مهما كانت نسبة إنجازه أو طبيعة الأشغال التي بلغها.
تعليمة وزارية استثنائية… ومرجعيتها تعليمات الوزير الأول
التعليمة المؤرخة في 22 أكتوبر الماضي جاءت استجابة لتوجيهات ديوان الوزير الأول، الذي دعا إلى متابعة دقيقة ومنتظمة لملف البنايات الفوضوية، نظرًا لتوسّعه خلال السنوات الأخيرة وما يشكله من مساس خطير بجمالية المدن وبانسجام النسيج العمراني الوطني. وأكدت مراسلة الوزير الأول أن الظاهرة باتت تستدعي متابعة خاصة تشمل كافة الولايات، مع رفع تقارير دورية حول الإجراءات الميدانية المتخذة والنتائج المحققة في مكافحة البناء غير الشرعي.
مراقبة على مدار الساعة… وأعوان مؤهلون للتدخل الفوري
ودعت الداخلية إلى تجنيد اللجان والفرق المختصة وتعزيز مهام الأعوان المؤهلين للبحث عن مخالفات التعمير، وفق المرسوم التنفيذي 06–55 الذي يحدد مهامهم وإجراءات المراقبة. وشددت على ضرورة القيام بمعاينات ميدانية فورية بمجرد بداية الأشغال، سواء نهارًا أو ليلًا وحتى خلال أيام العطل، لضمان تدخل سريع يمنع تطور المخالفات إلى بنايات مكتملة يصعب التعامل معها لاحقًا.
كما أمرت الوزارة بإيلاء اهتمام خاص للمناطق الحساسة والمصنفة ضمن دوائر الخطر، على غرار حواف الوديان والمناطق المهددة بالانزلاقات والفيضانات، لكونها الأكثر عرضة للاستغلال غير الشرعي من قبل المخالفين، مؤكدة ضرورة اتخاذ تدابير ردعية وإحالة الملفات إلى الجهات القضائية في أقرب الآجال.
قرارات هدم فورية… والاستثناء للبنايات المأهولة فقط
التعليمة الوزارية أوضحت أن كل البنايات غير الشرعية وغير المأهولة ستكون محل هدم فوري بمجرد معاينة المخالفة، باستثناء الحالات التي توجد قيد الدراسة في إطار التسوية القانونية، وفق أحكام القانون 08–15 والمرسوم التنفيذي 22–55 الخاصين بمطابقة واستكمال البنايات. وألزمت الوزارة المسؤولين المحليين بتوفير كل الوسائل المادية والبشرية لتنفيذ قرارات الهدم دون أي تراخٍ، ومتابعة كل الملفات العالقة لإغلاقها نهائيًا في أقرب الآجال.
وفيما يتعلق بالبنايات غير الشرعية المأهولة، ذكّرت الوزارة بقرارات مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 20 فيفري 2023، التي تقضي بعدم الشروع في الهدم إلا بعد وضع مخطط شامل ودقيق يعده الولاة ويُرفع إلى وزير الداخلية للبت فيه. وتُلزم التعليمة المسؤولين المحليين بإعداد تقارير مفصلة لكل حالة، تشمل موقع البناية وظروف تشييدها ونوعية العقار ونسبة الإنجاز، إضافة إلى كل المعلومات المتعلقة بالمخالفين.
الإسراع في المصادقة على مخططات التعمير وتفعيل الشبابيك الموحدة
وأشارت التعليمة إلى ضرورة فرض احترام أدوات التعمير عبر تسريع إعداد ومراجعة مخططات التهيئة الجاهزة والمصادقة عليها، مع تحسين أداء الشبابيك الموحدة لعقود التعمير من أجل تسهيل وتسريع عملية دراسة وتسليم رخص البناء ضمن الآجال القانونية.
وفي السياق نفسه، شددت الوزارة على ضرورة تعزيز دور لجان مراقبة عقود التعمير، خصوصًا فيما يتعلق بمطابقة الأشغال للرخص المسلمة، وتكثيف التواصل مع المواطنين لإعلامهم فورًا بنتائج دراسة ملفاتهم.
تسوية الملفات العالقة في إطار القانون 08–15
وفي ما يخص البنايات غير المطابقة أو غير المكتملة، دعت الوزارة إلى مضاعفة الجهود الميدانية من أجل الإسراع في دراسة الملفات المودعة في إطار القانون 08–15، مع دعم التطبيق العملي للتعليمة الوزارية المشتركة المؤرخة في 1 جويلية 2024، التي تتضمن إجراءات جديدة لتسهيل وتسريع عمليات المطابقة.
وأكدت الداخلية أن الهدف من هذه العملية هو إعادة النظام العمراني إلى مساره الصحيح، وضمان احترام القوانين والحد من الفوضى العمرانية التي عرفتها بعض المناطق خلال السنوات الأخيرة.
حملات تحسيسية وتكوين أعوان الرقابة
وعلى مستوى الجانب الاتصالي، دعت الوزارة إلى تعزيز التعاون بين مختلف المتدخلين في قطاع التعمير، وتنظيم أيام دراسية ولقاءات تكوينية لفائدة الأعوان المكلفين بالرقابة، إلى جانب إطلاق حملات تحسيسية موجهة للمواطنين بالتنسيق مع فعاليات المجتمع المدني، بهدف نشر ثقافة عمرانية تقوم على احترام القوانين وحماية الفضاءات العمومية.
مسعى شامل لإعادة الانضباط العمراني
ويُجمع المتابعون لقطاع التعمير أن هذه التعليمة تمثل مرحلة جديدة في مسار الدولة لإعادة الانضباط إلى القطاع العمراني، خاصة مع التركيز على الهدم الفوري للبنايات غير الشرعية ومتابعة المخالفين وتفعيل أدوات الرقابة. وتأتي هذه الإجراءات في وقت يزداد فيه الضغط على العقار العمراني، ما يستدعي تكثيف الرقابة وتطبيق القانون بصرامة لمنع أي تجاوزات قد تضر بالنسيج العمراني والبيئة الحضرية.
