لم يعد الحصول على المعلومات المتعلقة بملفات السكن أو متابعة إجراءات التسجيل مرتبطا بالتنقل المتكرر بين الإدارات وتكديس الوثائق الورقية، بعدما فرضت الرقمنة نفسها كخيار استراتيجي في تسيير القطاع، وأسهمت في إرساء آليات جديدة قائمة على الشفافية وتكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، أكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية والمختص في التكنولوجيا الرقمية، عبد الرحمان هادف، أن التحول الرقمي الذي تشهده الجزائر يمثل أحد أهم مرتكزات تحديث الخدمة العمومية وإعادة بناء العلاقة بين الإدارة والمواطن على أسس من الثقة والفعالية.
وأوضح أن المنصات الرقمية، وعلى رأسها منصة وكالة “عدل”، سمحت بالانتقال من معالجة الملفات الورقية إلى تسيير رقمي متكامل يعتمد على قواعد بيانات مترابطة، ما عزز الشفافية في دراسة الملفات واختيار المستفيدين وفق معايير دقيقة وواضحة.
وأضاف أن اعتماد أنظمة التشغيل البيني وربط قواعد البيانات بالرقم التعريفي الوطني ورقم الضمان الاجتماعي مكّن من تسريع معالجة الملفات والتحقق من المعلومات بصورة آلية، بما يضمن وصول السكن إلى مستحقيه ويحد من الأخطاء والتجاوزات التي كانت مرتبطة بالمعالجة التقليدية.
وأشار هادف إلى أن الرقمنة لم تعد تقتصر على تبسيط الإجراءات الإدارية فقط، بل أصبحت أداة للتخطيط واستشراف الاحتياجات السكنية المستقبلية، من خلال الاستفادة من البيانات المتوفرة وتوظيفها في اتخاذ القرار وتوجيه البرامج التنموية.
من جهته، اعتبر الباحث والمختص في التكنولوجيا عبد العالي زواغي أن الرقمنة أصبحت العمود الفقري لعصرنة الإدارة، لما توفره من سرعة في الإنجاز وشفافية في التسيير وتحسين للخدمات المقدمة للمواطنين.
وأكد أن المنصات الرقمية ساهمت في تكريس مبدأ العدالة في التسجيل والتوزيع، من خلال الاعتماد على معايير تقنية موحدة في معالجة الملفات، بعيدا عن أي اعتبارات شخصية أو تدخلات خارجية.
وأضاف أن الربط الرقمي بين مختلف الإدارات والهيئات العمومية سمح بالاستغناء عن عدد كبير من الوثائق الورقية، كما ساهم في ترشيد النفقات وحماية البيانات الشخصية للمواطنين ضمن منظومة معلوماتية أكثر أمنا وفعالية.
وفي الجانب الاجتماعي، أكد رئيس المنظمة الجزائرية للدفاع عن المستهلك “حمايتك”، محمد عيساوي، أن برامج السكن، وعلى رأسها صيغة “عدل”، ساهمت في إعادة التوازن إلى السوق العقارية من خلال تخفيف الضغط على سوق الإيجار وزيادة العرض السكني.
وأوضح أن هذه المشاريع ساعدت على خلق أقطاب عمرانية جديدة مجهزة بمختلف المرافق والخدمات، وأسهمت في تحسين ظروف العيش وتعزيز الاستقرار الاجتماعي لفئات واسعة من المواطنين.
بدوره، أوضح المختص في الأمراض النفسية كمال بن روان أن مشاريع السكن الجديدة ساهمت في إحداث تحولات اجتماعية مهمة، من خلال تشجيع الاستقرار في الضواحي وتخفيف الضغط عن المدن الكبرى، وهو ما انعكس إيجابا على نوعية الحياة والراحة النفسية للسكان.
وأشار إلى أن الانتقال نحو الأحياء الجديدة لم يعد يُنظر إليه باعتباره خيارا اضطراريا، بل أصبح يمثل نمطا جديدا للعيش يقوم على البحث عن الهدوء والاستقرار والاستفادة من المحيط العمراني الحديث.
ورغم المكاسب المحققة، يرى مختصون أن نجاح الرقمنة يظل مرتبطا بمواصلة تطوير المنصات الرقمية وتعزيز الثقة فيها، إلى جانب توسيع برامج التكوين والمرافقة لفائدة مختلف فئات المجتمع، بما يضمن استفادة الجميع من الخدمات الرقمية على قدم المساواة.
وبينما تواصل الجزائر مسار التحول الرقمي في مختلف القطاعات، يبرز قطاع السكن كنموذج يعكس حجم التغيير الذي أحدثته الرقمنة في علاقة المواطن بالإدارة، من خلال ترسيخ مبادئ الشفافية والسرعة والاستحقاق في معالجة الملفات وتقديم الخدمات.
ويأتي هذا التوجه في سياق المساعي التي يوليها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أهمية خاصة، من خلال التأكيد في مختلف المناسبات على ضرورة تسريع وتيرة الرقمنة وعصرنة المرافق العمومية، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة في مختلف القطاعات، بما يساهم في تحسين الخدمة العمومية وتقريب الإدارة من المواطن وتعزيز الثقة بينهما.
